مَقَالٌ
بِعُنْوَان:
التَّحْذِيرُ مِن بِدْعَةِ
الاِجْتمَاعِ لِرِوايَةِ الحَدِيثِ
فِي
يوْمِ مَوْلِدِهِ ﷺ المزْعُومِ
كَــتَــبَــهُ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ النَّبِيِّينَ، مُحَمَّدٍ وَءَالِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَبَعْدُ؛
أُحَذِّرُ طُلَّابَ الْعِلْمِ الْمُهْتَمِّينَ بِرِوَايَةِ
السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَقُولُ لَهُمْ:
لِلْأَسَفِ؛ كَثِيرٌ مِنْ إِخْوَانِنَا يَنْشَطُ فِي هَذِهِ
الْأَيَّامِ مِنْ كُلِّ عَامٍ، فِي إِقْرَاءِ وَإِسْمَاعِ كُتُبِ السِّيرَةِ
النَّبَوِيَّةِ وَالْحَدِيثِ - كَنَوْعٍ مِنَ التَّخْصِيصِ -، حَيْثُ
يَعُدُّونَهَا مِنَ الْعَادَاتِ - وَهَذَا خَطَأٌ -؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ الْآنَ
بِعِبَادَةٍ، وَهِيَ الِاحْتِفَالُ بِيَوْمِ مَوْلِدِهِ ﷺ،
مَعَ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ بَيْنَ الْمُؤَرِّخِينَ وَأَصْحَابِ السِّيَرِ!
بَلِ الْإِجْمَاعُ بَيْنَهُمْ أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ شَهْرُ
وَفَاتِهِ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ -!
فَيَكُونُ الْأَمْرُ الَّذِي أَرَادُوا فِيهِ تَعْظِيمَ مَوْلِدِهِ
فَفَرِحُوا، هُوَ يَوْمَ وَفَاتِهِ، فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ الشَّيْطَانُ بَابًا
فِي الْفَرَحِ بِوَفَاتِهِ لَا بِمِيلَادِهِ! فَالْبِدَعُ إِنْ لَمْ تُغْلَقْ؛
فَتَحَتِ الْبَلَاءَ وَالزَّنْدَقَةَ وَالْغُلُوَّ!
لِذَا؛ أُؤَكِّدُ عَلَى الْمَسَائِلِ التَّالِيَةِ:
اجْتِمَاعُكُمْ لِرِوَايَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ سَمَاعِ سِيرَتِهِ وَشَمَائِلِهِ ﷺ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ يُكَرَّرُ
وَيُعَادُ سَنَوِيًّا؛ كَيَوْمِ مَوْلِدِهِ ﷺ
(الْمَشْكُوكِ فِي تَحْدِيدِهِ) بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ: لَا تَجُوزُ.
بَلْ يَجِبُ أَنْ تُسْرَدَ سُنَنُهُ وَشَمَائِلُهُ طَوَالَ
أَيَّامِ السَّنَةِ، وَلَا تُقَيَّدَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، يُعَادُ وَيُكَرَّرُ؛
كَالْأَعْيَادِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَنْصَحُ إِخْوَانِي أَلَّا يَحْضُرُوا هَذِهِ الْمَجَالِسَ
خَوْفًا مِنْ تَخْصِيصِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ بِقُرْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ فَضْلٍ أَوْ
مُنَاسَبَةٍ غَيْرِ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ؛ فَيَقَعُوا فِي مُخَالَفَةِ هَدْيِهِ ﷺ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِهِ ﷺ بِدْعَةٌ فِي الدِّينِ، وَإِنْ لَمْ يُرْتَكَبْ
فِيهَا مَعَاصٍ، وَإِنِ ادَّعَى الْمُحْتَفِلُونَ - كَذِبًا - أَنَّهُمْ لَا
يَرَوْنَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ بَلْ مِنَ الْعَادَاتِ.
فَإِذَا تَعَلَّقَتِ الْعَادَةُ بِصَاحِبِ السُّنَّةِ ﷺ ، وَتَعْظِيمِ يَوْمِ مَوْلِدِهِ ﷺ ، أَصْبَحَتْ دِينًا لَا عَادَةً، وَعَلَيْهِ
فَيَجِبُ عَلَيْنَا وُجُودُ الدَّلِيلِ وَالنَّصِّ فِيهِ.
وَبَعْضُ الْمُؤَسَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَغَيْرِ
الْإِسْلَامِيَّةِ تَحْتَفِلُ بِهَذَا الْمَوْلِدِ، بِطُرُقٍ عِدَّةٍ بَعْضُهَا
فِي غَايَةِ الْإِجْرَامِ مِنَ التَّبَرُّجِ وَالْعُرْيِ وَتَحْضِيرِ الْكَعْكِ،
وَبَعْضُهَا فِي حِلَقِ الْهَوْهَوَةِ يَقُولُ (هُو هُو هُو)، وَالِاهْتِزَازِ
كَمَنْ لَمَسَ سِلْكَ الْكَهْرَبَاءِ، وَالْجَرْيِ وَالْقَفْزِ وَ..وَ..،
وَبَعْضُهَا بِإِقَامَةِ دُرُوسٍ عَنْ سِيرَتِهِ وَفِي شَمَائِلِهِ؛ فَكُلُّ هَذَا
بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ.
فَمَنْ جَمَعَ النَّاسَ لِقِرَاءَةِ كِتَابِ "الشِّفَا" أَوْ كِتَابِ "الشَّمَائِلِ" أَوْ أَيِّ كِتَابٍ فِي
السُّنَّةِ فِي يَوْمِ مَوْلِدِهِ احْتِفَالًا بِهِ، وَكَرَّرَ ذَلِكَ،
وَاحْتَفَلَ وَاحْتَفَى بِذَلِكَ، وَاعْتَادَهُ (جَعَلَهُ عِيدًا) وَاعْتَقَدَ
لَهُ ثَوَابًا أَوْ قُرْبَةً مُعَيَّنَةً؛ فَهُوَ عَلَى بِدْعَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَابُدَّ
أَنْ يَتُوبَ مِنْهَا، نَاهِيكَ عَمَّنْ يَقْرَأُ "الْبُرْدَةَ"
الَّتِي امْتَلَأَتْ شِرْكًا وَكُفْرًا بِاللَّهِ -
جَلَّ جَلَالُهُ -.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَقَامَ الدُّرُوسَ الْعَامَّةَ فِي سِيرَتِهِ،
بِمُنَاسَبَةِ هَذِهِ الذِّكْرَى.
فَتَاوَى وَأَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ:
وَقَدْ قَالَ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالشَّيْخِ
عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ
الْوَهَّابِ النَّجْدِيِّ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ
النَّجْدِيِّ، وَقَدْ أَرْفَقْتُ كَلَامَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْشُورِ.
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ الْوَهَّابِ:
(وَمِنَ الْبِدَعِ: الِاجْتِمَاعُ فِي
وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، عَلَى مَنْ يَقْرَأُ سِيرَةَ الْمَوْلِدِ الشَّرِيفِ،
اعْتِقَادًا أَنَّهُ قُرْبَةٌ مَخْصُوصَةٌ مَطْلُوبَةٌ دُونَ عِلْمِ السِّيَرِ،
فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ)([1]).
وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حُمَيْدٍ:
(وَلَا شَكَّ أَنَّ سَمَاعَ سِيرَةِ
الرَّسُولِ ﷺ
خَيْرٌ مِنْ اسْتِمَاعِ غَيْرِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ، فَضْلًا عَنِ
الْأَشْيَاءِ الْمُنْكَرَةِ، وَلَكِنَّ تَخْصِيصَهَا بِلَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ
مُعَيَّنَةٍ مِنْ لَيَالِي السَّنَةِ، وَاتِّخَاذَهَا عِيدًا يَتَكَرَّرُ،
كَالْأَعْيَادِ الَّتِي شَرَعَهَا لَنَا الْإِسْلَامُ، لَا شَكَّ أَنَّهُ
بِدْعَةٌ؛ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ سِيرَتُهُ ﷺ فِي أَغْلَبِ أَيَّامِ السَّنَةِ تُقْرَأُ، مِنْ غَيْرِ
تَخْصِيصٍ لِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ، مَا
يَأْتِي: أَوَّلًا: أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ،
وَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى الْأَمْرِ... ثُمَّ سَاقَ أَدِلَّتَهُ) ([2]).
وَكَتَبَ
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَمْرُو بْنُ هَيْمَانَ الْجِيزِيُّ المِصْرِيُّ
شَيْخُ
دَارِ الْحَدِيثِ الثَّوْرِيَّةِ
1436
هـ - 2015 م
أسعد بإثبات حضوركم بجميل تعليقكم