«سِلْسِلَةُ فَرَائِدِ الْأَجْزَاءِ لِلشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجِيزِيِّ» 2
رِسَالَةٌ فِي حُكْمِ الْمَوْلِدِ
[حُكْمُ الِاحْتِفَالِ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ ]
ومعه: حُكْمُ زِيَارَةِ الْأَحْجَارِ الْمُزَخْرَفَةِ فِي (تِهَامَةَ)، وَالطَّوافِ حَوْلَهَا كَالْكَعْبَةِ، وَتَقْبِيلِهَا كَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَاعْتِقَادِ نَفْعِهَا وَضُرِّهَا
صَنَعَهُ: قَاضِي (الْيَمَنِ) الْعَلامَةُ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ أَبُو عَلِيٍّ، عِزُّ الدِّينِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّوْكَانِيُّ ثُمَّ الصَّنْعَانِيُّ الْيَمَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (1173 ـــ1250هـ = 1759 ـــ 1834 م)
اعْتَنَى بِهِ، وَحَرَّرَهُ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَــٰنِ، عَمْـرُو بْنُ هَيْمَـانَ بْنِ نَصْرِ الدِّينِ الْمِصْرِيُّ السَّلَفِيُّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّهِ الْأَمِينِ، وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ. مَوْلَايَ الْعَلَّامَةُ، الْأَخُ فِي اللَّهِ، الْمُحِبُّ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ، عِزُّ الْمَعَالِي، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِـيٍّ الشَّوْكَانِيُّ - حَفِظَهُ اللَّهُ ، وَعَافَاهُ- وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَغَشَّاهُ. خَطَرَ بِبَالِ الْمُحِبِّ الْحَقِيرِ تَحْرِيرُ الْمُذَاكَرَةِ هَذِهِ فِيمَا حَدَثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ مِنْ الِاجْتِمَاعَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
فَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ حَدَثَتْ - فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْمَعْمُورَةِ بِالْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ، وَالزَّيْدِيَّةِ الْكِرَامِ - حَوَادِثُ أَحْدَثَهَا السُّفَهَاءُ وَالسُّوقَةُ؛ مِثْلَ: (مُحْسِنٍ مَسْعُودٍ النَّشَادِ)، وَجَمَاعَتِهِ، مِنْ إِحْدَاثِ شَيْءٍ يُسَمُّونَهُ (الْمَوْلِدَ)، فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ، الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ، وَيَرْفَعُونَ الْأَصْوَاتَ بِالتَّهْلِيلِ، وَالتَّضْجِيعِ، وَالتَّرْجِيعِ، وَيَخْرُجُونَ إلَى خَارِجِ الدَّارِ الْمُجْتَمِعِينَ فِيهَا مَعَ تَسْرِيجِ الشَّمْعِ وَالزِّفَافِ، وَاخْتِلَاطِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ بِالتَّهْلِيلِ، وَالنِّسَاءِ بِالْمَحْجِرَاتِ رَافِعَاتِ الْأَصْوَاتِ حَتَّى يَدْخُلُوا الدَّارَ الْمُجْتَمِعِينَ فِيهَا. قَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ كِرَارًا فِي حَارَةِ الْفُلَيْحِيِّ فِي بَيْتِ رَجُلٍ يُسَمَّى: الْمَحْفَدِيَّ، مِنْ أَهْلِ سُوقِ السُّلَيْطِ، وَانْقضُوا الْمُتَفَرِّجِينَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَهُمْ بِالزِّفَافِ مَعَ تَسْرِيج الشَّمْعِ فِي الزُّفَاقِ إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ؛ ثُمَّ يَقُومُونَ قِيَامَ مُنْتَظِرِينَ لِوُصُولِ سَيِّدِ الْأَنَامِ يَقُولُونَ: (مَرْحَبًا يَا نُورَ عَيْنِي .. مَرْحَبًا يَا نُورَ عَيْنِي)، رَافِعِينَ بِذَلِكَ الْأَصْوَات صَغِيرُهُم وَالْكَبِيرُـ خَاضِعِينَ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَالْعَوَامُّ يَتَطَلَّعُونَ لِرُؤْيَةِ الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ - عَلَى جُمُعَةٍ التَّخْمِينِ!
=
وَهَلْ رَأَيْتَ، وَهَل بَصَرْتَ فِي زَمَنِ
٭
حَمْلَ الْبَوازِلِ مَحْمُولًا عَلَى جُعَلِ؟!
نَعَمْ! حَتَّى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ثَانِي عَشَرَ شَهْرنَا هَذَا رَبِيع الْأَوَّل حَصَلَ الِاجْتِمَاعُ فِي بَيْتِ رَجُلٍ مِنْ سَوْقِ الْمِزَرْبَنِينَ، وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ الثِّقَاتِ أَنَّهُمْ حَضَـرُوا جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الدَّوْلَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَنْ حَضَـرَ: سَيِّدِي الْعَلَامَةُ عَلَـيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ إِسْحَاقَ، وَالسَّيِّدُ يَحْيَى الْحُوثِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِ الْعِلْمِ. حَتَّى أَنَّهُ بَلَغَ أَنْ سَيِّدِي عَلِىَّ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ زَخْرَفَ لَهُم مُؤَلَّفًا فِي صِحَّةِ ذَلِكَ وَتَجْوِيزِهِ، وَلَمْ أَزَلْ أَطْلُبُ ذَلِكَ؛ فَمَا ظَفَرْتُ بِهِ، فَمَا أَدْرِي مَا اسْتِنَادُهُ فِي ذَلِكَ؟! هَلْ سُنَّةٌ مَأْثُورَةٌ ؟! أَوْ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ رَبِّي مَشْهُورَةٌ؟! أَوْ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَلَكِ الْمُظَفَّرِ أَبِي سَعِيدٍ الْكُوكبورِيِّ، الْمُحْدِثِ لِذَلِكَ ؟! وَلِأَجْلِهِ صَنَّفَ ابْنُ دِحْيَةَ مُصَنَّفًا فِي الْمَوْلِدِ، وَسَمَّاهُ: «التَّنْوِيرَ؛ فِي مَوْلِدِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ». وَمَا اسْتِنَادُ هَؤُلَاءِ الْأَعْيَانِ الْمُزَيِّنِينَ لِهَذِهِ الشَّنِيعَةِ، لِهَؤُلَاءِ السُّوقَةِ وَالْأَغْمَارِ؟! وَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ الْمَذْكُورَ بِيَدِ مُحْسِنٍ مَسْعُودٍ النَّشادِ، وَجَمَاعَتِهِ! فَهَلْ قَدْ سَبَقَ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ الْمُطَهَّرَةِ مِنْ الدَّنَسِ مِثْلُ هَذَا، أَوْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ الرَّاشِدِينَ، أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ الْمُطَهَّرِينَ: قَدْ أَجَازَ ذَلِكَ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ، أَوْ جَوَّزَهُ لِلسُّوقَةِ وَالْأَوْغَادِ؟! أَوْ هَذِهِ بِدْعَةٌ شَنِيعَةٌ مِنْ بِدَعِ الصُّوفِيَّةِ الْأَغْمَارِ، يَجِبُ النَّكِيرُ عَلَيْهَا وَالتَّشْدِيدُ وَالتَّشْرِيدُ لِفَاعِلِيهَا، وَرَفْعُهَا إِلَى وُلَاةِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْمَحْمِيَّةِ الْمَعْمُورَةِ بِعُلَمَاءِ الزَّيْدِيَّةِ الْكِرَامِ، وَعُلُومِ آلِ مُحَمَّدٍ الْأَعْلَامِ؟! أَوْ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ وَالْمَجَالُ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ ؟!
نَعَمْ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْقَبِيحِ: أَنَّهُم أَحْدَثُوا فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ فِي الْأَقْطَارِ التِّهَامِيَّةِ مِثْلَ: بَيْتِ الْفَقِيهِ ابْنِ عُجَيْلٍ، وَالْحُدَيِّدَةِ، وَصَارَتْ تَسْـرِي فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ الْإِمَامِيَّةِ- أَعَزَّهَا اللهُ- وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا عِمَارَةَ جُدَدٍ مِنْ حِجَارَةٍ، وَزَخْرَفُوهُ بِالْجِصِّ وَالنُّورَةِ، ثُمّ فَعَلُوا لَهُ يَوْمًا أَوْ لَيْلَةً فِي الشَّهْرِ، يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ صَغِيرَهُم وَالْكَبِيرُ، وَالْأُنْثَى وَالذَّكَرُ، وَالشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ، يَطُوفُونَ حَوْلَهُ كَطَوَافِهِمْ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ طُولَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، مِنْ دُونِ إِنْكَارٍ وَلَا شَنَاعَةٍ مَنْ وُلَاةِ أَمْرِهِمْ وَحُكَّامِهِمْ، وَيُقَبِّلُونَهُ؛ كَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَصَارَتْ هَذِهِ الْبِدَعُ كَأَنَّهَا سُنَنٌ شَرْعِيَّةٌ، وَحُجَّةُ اللَّهِ قَائِمَةٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْمَحْمِيَّةِ مِنْ الشِّيعَةِ الْمَرْضِيَّة، أَو الْحَضْـرَةِ الشَّـرِيفَةِ الْمَنْصُورِيَّةِ، وَسُكُوتُهُمْ عَنْ رَفْعِهَا إلَى شَرِيفِ الْمَقَامِ مَوْلَانَا الْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: الْمَنْصُورِ بِاَللَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَإِنَّهُ نِعْمَ الْعَوْنُ الْمُبِينُ عَلَى إزَالَةِ مَا خَالَفَ شَرِيعَةَ جَدِّهِ الْأَمِينِ، وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ - عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ -. فَلَمْ أَزَلْ أُرِيدُ مُذَاكَرَتَكُمْ بِهَذِهِ الْحَوَادِثِ الْحَادِثَةِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْمَحْمِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ الْإِمَامِيَّةِ، وَصَارَ عُلَمَاؤُنَا فِي هَذَا الزَّمَانِ إِمَّا شَيْطَانٌ أَخْرَسُ: قَدْ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ، أَوْ سُدَّ فَمُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُطَامِ الْحَرَام، أَوْ شَيْطَانٌ نَاطِقٌ بِغَيْرِ مَا شَرَعَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الْمُخْتَارِ. اللَّهُمَّ اشْهَدْ - وَأَنْتَ خَيْرُ الشَّاهِدَيْنِ- عَلَى أُمُورٍ حَدَثَتْ مِنْ حَوَادِثِ الْمُبْطِلِينِ وَالْجَاهِلِينَ، وَزَيَّنَهَا لَهُمْ رِعَاعُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَخْذُولِينَ، وَأَعْيَانُ رَمَدَا مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَسْلُوبِينَ مِنْ دُونِ نَكِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ ، فَيَا لَلَّهِ، وَيَا لَلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَادِثٍ حَدَثَ فِي شَرْعِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ .
وَأَقُولُ: يَا بَاغِيَ الْإِسْلَامِ؛ فَأَبْغِيهِ لَقَدْ زَالَ مَعْرُوفًا وَبَدَا مُنْكَرٌ. فَأَوْضِحُوا لِمُحِبِّكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي أَسْجَنَ الْفُؤَادَ، وَشَرَّدَ الرُّقَادَ، وَأَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْقَبَائِحِ وَالْفَسَادِ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّهِ الْقَاصِمِ بِسَيْفِهِ رُؤُوسَ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَعَلَى آلِهِ الزَّكِيَّةِ الطَّاهِرَةِ الْمُنَزَّهَةِ عَنْ بِدَعِ الصُّوفِيَّةِ وَالْأَوْغَادِ. وَالسَّلَامُ تَخُصُّ مَقَامَكَمْ، وَالْإِكْرَامُ .. تَمَّ السُّؤَالُ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَمْدًا لِمَنْ بَعَثَ الْبَشِيرَ النَّذِيرَ، السِّـرَاجَ الْمُنِيرَ، بِالشَّـرِيعَةِ الْبَيْضَاءِ النَّقِيَّةِ، وَالْحَنِيفِيَّةِ الْغَرَّاءِ السَّوِيَّةِ الْبَهِيَّةِ، وَعَلَـى آلِـهِ الْحَامِلِينَ لِرَايَاتِ السُّنَّةِ الْمُجِلِّينَ بِأَنْوَارِ عُلُومِهِمْ كُلّ ظُلْمَةٍ وَدُجْنَةٍ، وَبَعْدُ:
فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْحَقِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِـيٍّ الشَّوْكَانِيِّ- غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا- هَذَا السُّؤَالُ النَّفِيسُ؛ فَلْنَتَكَلَّمْ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ مَسْأَلَتَيْ السُّؤَالِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ (الْمَوْلِـدِ).
فَأَقُولُ: لَمْ أَجِدْ إلَى الْآنَ دَلِيلًا يَدُلُّ عَلَـى ثُبُوتِهِ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إِجْمَاعٍ، وَلاَ قِيَاسٍ، وَلَا اسْتِدْلَالٍ.
بَلْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي عَصْرِ خَيْرِ الْقُرُونِ، وَلَا الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَلَا الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُخْتَرِعَ لَهُ: السُّلْطَانُ الْمُظَفَّرُ أَبُو سَعِيدٍ، كُوكُبُورِي بْنُ زَيْنِ الدِّينِ عَلِـيِّ بْنِ بَكْتِكِينَ، صَاحِبُ (إِرْبِلَ)، وَعَامِرُ (الْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ) بِسَفْحِ (قَاسِيُونَ)، وَهُوَ فِي الْمِئَةِ السَّابِعَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُ لَيْسَ بِدْعَةٌ! وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا لَاحَ لِلنَّاظِرِ أَنْ الْقَائِلَ بِجَوَازِهِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَأَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ بِنَصِّ الْمُصْطَفَى ﷺ لَمْ يَقُلْ إلَّا بِمَا هُوَ ضِدٌّ لِلشَّـرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَلَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ سِوَى تَقْلِيدِهِ لِمَنْ قَسَّمَ الْبِدْعَةَ إلَى أَقْسَامٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّا لَا نَقْبَلُ مِنْ الْقَائِلُ بِالْجَوَازِ مَقَالَةً إلَّا بَعْدَ أَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا يَخُصُّ هَذِهِ الْبِدْعَةَ الَّتِي يَعْتَرِفُ بِهَا فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ الَّذِي لَا يُنْكِرُهُ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ: قَالَ فُلَانٌ، وَأَلَّفَ فُلَانٌ؛ فَهَذَا غَيْرُ نَافِقٍ. وَالْحَقُّ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى أَنَّا إِذَا عَوَّلْنَا عَلَى أَقْوَالٍ الرِّجَالِ، وَرَجَعْنَا إلَى التَّمَسُّكِ بِأَذْيَالِ الْقِيلِ وَالْقَالِ، فَلَيْسَ الْقَائِلُ بِالْجَوَازِ إلَّا شُذُوذًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
أَمَّا الْعِتْرَةُ الْمُطَهَّرَةُ وَأَتْبَاعُهُم: فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حَرْفًا وَاحِدًا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ؛ بَلْ كَلِمَتُهُمْ كَالْمُتَّفِقَةِ عَلَـى بُعْدِ حُدُوثِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ، وَأَنَّهَا مِنْ أَقْبَحِ ذَرَائِعِ الْمُتَمَخْلِعَةِ إِلَى الْمَفَاسِدِ، وَلِهَذَا تَرَى هَذِهِ الدِّيَارَ مُنَزَّهَةً عَنْ جَمِيعِ شَعَابِذِ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُتَهَتِّكَةِ – الَّتِـي هِيَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَكَانَ آخِرُ الْخُلَفَاءِ الذَّابِّينَ عَنْ ذَلِكَ: الْمَهْدِيُّ لِدِينِ اللَّهِ: الْعَبَّاسُ بْنُ الْمَنْصُورِ، فَإِنَّهُ مَنَعَ الْمَوَالِدَ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ قُبُورِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُ بِهِمُ الْعَامَّةُ، وَالْمَرْجُوُّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُلْهِمَ خَلِيفَةَ عَصْـرِنَا الْمَنْصُورُ بِاللهِ- حَفِظَهُ اللهُ- إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِسَلَفِهِ الصَّالِحِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ كَمَا قِيلَ:
=
أَرَى خَلَلَ الرَّمَادِ وَمِيضَ جَمْرٍ
٭
وَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ لَهَا اضْطِرَامُ
وَسَرَيَانُ الْبِدَعِ أَسْرَعُ مِنْ سَرَيَانِ النَّارِ، لَا سِيَّمَا (بِدْعَةُ الْمَوْلِـدِ)؛ فَإِنَّ أَنْفُسَ الْعَامَّةِ تَشْتَاقُ إِلَيْهَا غَايَةَ الِاشْتِيَاقِ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ حُضُورِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ وَالرِّئَاسَةِ مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهُ سَيُخَيَّلُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ الْبِدْعَةَ مِنْ آكَدِ السُّنَنِ، وَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ:
1
فَسَادٌ كَبِيرٌ عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ
٭
وَأَفْسَدُ مِنْهُ جَاهِلٌ مُتَنَسِّكُ
2
هُمَا فِتْنَةٌ لِلْعَالَمِينَ كَبِيرَةٌ
٭
لِمَنْ بِهِمَا فِي دِينِهِ يَتَمَسَّكُ
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَامَّةَ أَسْرَعُ النَّاسِ إِلَى كُلِّ ذَرِيعَةٍ مِنْ ذَرَائِعِ الْفَسَادِ الَّتِي يَتَمَكَّنُونَ مَعَهَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمُحَرَّمَاتِ كَـ(الْمَوْلِـدِ) وَنَحْوِهِ. فَإِذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ: حُضُورُ مَنْ لَهُ شُهْرَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالشَّـرَفِ وَالرِّئَاسَةِ؛ فَعَلُوا الْمُحَرَّمَاتِ بِصُورَةِ الطَّاعَاتِ، وَخَبَطُوا فِي أَوْدِيَةِ الْجَهَالَاتِ وَالضَّلَالَاتِ، وَتَخَلَّصُوا مِنْ وَرْطَةِ الْإِنْكَارِ بِقَوْلِهِمْ: (حَضَرَ مَعَنَا سَيِّدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ).
دَعْ عَنْكَ الْعَامَّةَ؛ فَإِنَّ بَعْضَ الْعَامَّةِ الْمُتَمَيِّزِينَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ لِقِرَاءَةِ بَعْضِ عُلُومِ الِاجْتِهَادِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ حَضَرَ لَيْلَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، فِي بَعْضِ الْمَوَالِـدِ؛ فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ، وَانْقَبَضْتُ مِنْهُ؛ فَقَالَ : حَضَـرَ مَعَنَا سَيِّدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ ؛ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصِّفَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِحَضْرَةِ أُولَئِكَ الْأَعْيَانِ؛ فَقَالَ فِي جُمْلَةِ شَرْحِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ: إِنَّهُ قَرَأَ الْمَوْلِدَ رَجُلٌ سُوقِيٌّ، وَأُولَئِكَ الْأَعْيَانُ يُطْرَبُونَ وَيَسْمَعُونَ حَتَّى بَلَغَ إلَى بَعْضِهِمْ؛ ثُمَّ قَامَ كَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ، وَهُوَ يَقُولُ: (مَرْحَبًا يَا نُورَ عَيْنِي مَرْحَبًا). وَقَامَ بِقِيَامِهِ جَمِيعُ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْأَعْيَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَارَ يَنْهَقُ قَائِمًا -وَهُمْ كَذَلِكَ-؛ فَتَعَبَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ فَقَعَدَ؛ فَصَاحَ عَلَيْهِ بَعْضُ أُولَئِكَ الْأَعْيَانِ، وَقَالَ لَهُ - وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ سَوْرَةُ الْغَضَبِ-: (قُمْ يَا مِلْعَابَة) - بِهَذَا اللَّفْظِ-، وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِﷺ وَصَلَ إِلَيْهِمْ تِلْكَ السَّاعَة، ثُمَّ تَصَافَحُوا وَأَقْبَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ بِأَيْدِيهِمْ أَنْوَاعٌ مِنْ الطِّيبِ مُعَاجِلِينَ مُسْـرِعِينَ؛ كَأَنَّهُمْ يَنْتَهِزُونَ فُرْصَةَ بَقَائِهِ ﷺ ! فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ؛ أَيْنَ عِزَّةُ الدِّينِ ؟! فَإِنْ ذَهَبَتْ؛ فَأَيْن الْحَيَاءُ وَالْمُرُوءَةُ وَالْعَقْلُ ؟ وَهَبْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِحَضْرَةِ هَؤُلَاءِ الْأَعْيَانِ شَـيْءٌ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ - كَمَا هُوَ الظَّنُّ بِهِمْ -، أَلَا يَدْرُونَ أَنَّ الْعَامَّةَ تَتَّخِذُ ذَلِكَ وَسِيلَةً وَذَرِيعَةً إلَى كُلِّ مُنْكَرٍ، وَيَصَكُّونَ بِحُضُورِهِمْ وَجْهَ كُـلِّ مُنْكَرٍ، وَيَفْعَلُونَ فِي مَوَالِدِهِمْ - الَّتِـي لَا يَحْضُـرُهَا إلَّا سَقَطُ الْمَتَاعِ- كُلَّ مُنْكَرٍ، وَيَقُولُونَ: (قَدْ حَضَـرَ الْمَوْلِـدَ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) وَيَتَمَسَّكُونَ بِجَامِعِ اسْمِ (الْمَوْلِدِ).
وَمِنْ هَهُنَا يَلُوحُ لَكَ فَسَادَ اعْتِذَارِ بَعْضِ الْمُجَوِّزِينَ بِأَنَّهُ: إِذَا لَمْ يَحْصُلْ فِي الْمَوْلِدِ إلَّا الِاجْتِمَاعُ لِلطَّعَامِ وَالذِّكْرِ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُ مَا يَصْحَبُهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ تَحْرِيمُهُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَوْلِـدُ مَعَ كَوْنِهِ بِدْعَةً بِاعْتِرَافِكَ قَدْ صَارَ مَصْحُوبًا عَادَةً بِكَثِيرٍ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَذَرِيعَةً إلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَفَاسِدِ.
وَاتِّفَاقُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَالِـدِ الَّتِي لَا تَشْتَمِلُ عَلَى غَيْرِ الطَّعَامِ وَالذِّكْرِ أَعَزُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ، وَقَطْعَ عَلَائِقِ الْوَسَائِلِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ، مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ الْمُهِمَّةِ الْحَطّ الَّتِـي جَزَم بِوُجُوبِهَا الْجُمْهُورُ، وَأَنْتَ إِنْ بَقِيَتْ فِيكَ بَقِيَّةٌ مِنْ إِنْصَافٍ: لَا تُنْكَرُ هَذَا. وَإِذَا قَدْ تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَأَتْبَاعِهِمْ بِجَوَازِ الْمَوْلِدِ، وَأَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ قَوْلَ مَنْ عَدَاهُمْ.
فَنَقُولُ: قَدْ قَرَّرْنَا لَكَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مِنَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ لِلْمُلُوكِ تَأْثِيرٌ فِي تَقْوِيمِ الْبِدَعِ وَهَدْمِهَا؛ فَلَمَّا كَانَ الْمُبْتَدِعُ لِهَذِه الْبِدْعَةِ ذَلِكَ الْمِلْكُ سَاعَدَهُ ابْنُ دِحْيَةَ، وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ مُجَلَّدًا سَمَّاهُ: «التَّنْوِيرَ؛ فِي مَوْلِدِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ»، وَهُوَ مَعَ تَوَسُّعِهِ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ بِحُجَّةٍ نَيِّرَةٍ. لَا جَرَمَ أَجَازَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ - كَمَا ذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ-، وَمَحَبَّةُ الدُّنْيَا تَفْعَلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا. ثُمَّ بَعْدَ حُدُوثِ هَذَا الْمَوْلِـدِ: قَامَ الْخِلَافُ عَلَى سَاقٍ، وَكَثُرَتْ فِي ذَلِكَ الْمُؤَلَّفَاتُ مِنَ الْمَانِعِ وَالْمُجَوِّزِ؛ فَمِنْ جُمْلَةِ الْمُؤَلِّفِينَ فِي ذَلِكَ:
* الْفَاكِهَانِيُّ الْمَالِكِـيُّ، أَلَّفَ كِتَابًا أَسْمَاهُ: «الْمَوْرِدَ، فِي الْكَلَامِ عَلَـى عَمَلِ الْمَوْلِدِ» وَشَنَّعَ وَبَشَّعَ، وَفِي جُمْلَةِ مَا أَنْشَدَهُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ لِشَيْخِهِ الْقُشَيْرِيِّ:
1
قَدْ عُرِفَ الْمُنْكَرُ وَاسْتُنْكِرَ الْـ
٭
مَعْرُوفُ فِي أَيَّامِنَا الصَّعْبَةْ
2
وَصَارَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وَهْدَةٍ
٭
وَصَارَ أَهْلُ الْجَهْلِ فِي رَيْبَةْ()
3
حَادُوا عَنِ الْحَقِّ، فَمَا لِلَّذِي
٭
سَارُوا() بِهِ فِيمَا مَـضَى نِسْبَةْ
4
فَقُلْتُ لِلْأَبْرَارِ أَهْلِ التُّقَى
٭
وَالدِّينِ لَمَّا اشْتَدَّتِ الْكُرْبَــةْ:
5
لَا تُنْكِرُوا أَحْوَالَكُمْ قَدْ أَتَتْ
٭
نَوْبَتُكُمْ فِي زَمَنِ الْغُرْبَةْ
وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُؤَلِّفِينَ فِي الْمَوْلِدِ:
* الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ الْحَاجِّ، وَسَمَّاهُ: «الْمَدْخَلَ؛ فِي عَمَلِ الْمَوْلِدِ».
* وَإِمَامُ الْقُرَّاءِ الْجَزَرِيُّ، وَسَمَّى كِتَابَهُ: «عَرْفَ التَّعْرِيفِ؛ بِالْمَوْلِدِ الشَّرِيفِ».
* وَالْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ نَاصِرٍ، وَسَمَّى كِتَابَهُ: «مَوْرِدَ الصَّادِي؛ فِي مَوْلِدِ الْهَادِي».
* وَالْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ، وَسَمَّى كِتَابَهُ: «حُسْنَ الْمَقْصِدِ؛ فِي عَمَلِ الْمَوْلِد».
فَمِنْهُمْ: مَنْ جَزَمَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَوَّزَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَصْحَبَهُ مُنْكَرٌ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ أَصْلًا.
وَأَمَّا تَخْرِيجُهُ:
مِنْ حَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَسَأَلَهُمْ؛ فَقَالُوا: هُوَ يَوْمٌ أَغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ فِرْعَوْنَ، وَنَجَّـى مُوسَى، فَنَحْنُ نُصُومُهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى؛ كَمَا فَعَلَ ابْنُ حَجَرٍ. أَوْ مِنْ حَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؛كَمَا فَعَلَ السُّيُوطِيُّ. فَمِنَ الْغَرَائِبِ الَّتِي أَوْقَعَ فِي مِثْلِهَا: مَحَبَّةُ تَقْوِيمِ الْبِدَعِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ، وَهُمْ شُذُوذٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَانِعِينَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ الطَّعَامِ وَالذِّكْرِ. وَقَدْ عَرَّفْنَاكَ أَنَّهُ صَارَ مِنْ ذَرَائِعِ الْمُنْكَرَاتِ، وَلَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ هَذَا الِاعْتِبَارُ.
وَأَمَّا الْمَوْلِدُ: الَّـذِي يَقَعُ الْآنَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَفِي هَذَا الْمِقْدَارِ كِفَايَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَقَامُ يَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ طَوِيلٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى إِيرَادِ كَلِمَاتِ الْمُجَوِّزِينَ وَرَدَّهَا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا فِي كَرَارِيسَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُلْهِم اللَّهُ أَحَدَ أَرْبَابِ الْأَمْرِ إلَى الْمَنْعِ مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا تَنْحَسِمُ بِأَمْرٍ يَسِيرٍ، وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ (النَّشَادَ) الَّـذِي صَارَ يَدْعِـي لِعَمَلِ الْمَوْلِـدِ، وَيَزْجُرُ. وَهَذَا أَمْرٌ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ كُلُّ أَحَدٍ.
وَأَمَّا مَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ مِنْ الْوَاقِعَةِ الْعَظِيمَةِ فِي الْقُطْرِ التِّهَامِيِّ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يُزَخْرِفُونَ الْأَحْجَارَ، وَيَطُوفُونَ حَوْلَهَا؛ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَيُزَارُ. فَقَدْ وَصَلَ إِلَى مُحِبِّكُمْ سُؤَالٌ مَنْ بَعْضِ السَّادَاتِ السَّاكِنَيْنَ فِي (تِهَامَةَ) عَلَى يَدِ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ بْنُ أَحْمَدَ النُّعْمِيِّ، وَأَجَبْتُ فِيهِ بِجَوَابٍ فِيهِ طُولٌ، فَانْظُرُوهُ إِنْ أَمْكَنَ، فَإِنَّ ذَلِكَ السُّؤَالَ اشْتَمَلَ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِي أُولَئِكَ الْأَمْوَاتِ، وَتِلْكَ الْأَحْجَارِ أَنَّهَا تَضُرُّ وَتَنْفَعُ. وَهَذَا مِنْ الْكُفْرِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ كُفْرِ الْوَثَنِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: (إنَّمَا نَعْبُدُهُم لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وَهَؤُلَاءِ قَالُوا : (نَعْبُدُهُم لِيَضُـرُّوا وَيَنْفَعُوا)، فَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَشَدُّ مِنْ الْكُفْرِ؟! وَأَيُّ مُنْكَرٍ أَطَمُّ مِنْهُ ؟! وَكَيْفَ يَدَّعِـي الْقَادِرُ عَلَـى إِنْفَاذِ الْأَوَامِر أَنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَؤُلَاءِ إِخْوَانُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ صَارُوا فِي الْكُفْرِ الصَّرِيحِ؟! إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَرَحِمَ اللَّهُ الْمَهْدِيَّ لِدِينِ اللَّهِ، الْعَبَّاسَ بْنَ الْمَنْصُورِ، فَإِنَّهُ قَامَ فِي إزَالَةِ هَذَا الْمُنْكَرِ كُلَّ مَقَامٍ. وَاَللَّهُ يُلْهِمُ خَلِيفَةَ الْعَصْـرِ إِلَى الْقِيَامِ لِهَذَا الْوَاجِبِ الْأَهَمِّ.
وَعَلَـى الْجُمْلَةِ: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى قُبْحِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ ذَاكَ كُفْرٌ، وَلَا يُخَالِفُ فِي قُبْحِ الْكُفْرِ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ: مَشْحُونَانِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَاضِيَةِ بِقُبْحِ الْكُفْرِ، النَّاعِيَةِ عَلَى الْكَافِرِينَ مَا هُمْ فِيهِ. وَمَنْ أَخَذَ الْمُصْحَفَ، وَقَرَأَ فِيهِ وَرَقَةً: وَجَدَ فِيهِ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، أَو تَقْبِيح الشِّرْك ، أَوْ الْكُفْرِ مَا يُشْفَى وَيَكْفِي ، فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّطْوِيلِ، وَلَوْ رَامَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَسْتَقْضِيَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّةِ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ؛ لَجَاءَ فِي مُجَلَّدَاتٍ. اللَّهُمَّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّا نَجِدُ قُدَرَنَا مُتَقَاصِرَةً عَنِ الْقِيَامِ بِدَفْع هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، وَهَدْمِ هَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا إلَّا الْإِنْذَارُ وَالْإِبْلَاغُ - وَقَدْ فَعَلْنَا-. اللَّهُمَّ؛ فَاغْضَبْ لِدِينِكَ، وَطَهِّرْهُ مِنْ أَدْنَاسِ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينَ الْقُبُورِيِّينَ، وَأَنْجِنَا مِنْ هَذِهِ الْأَوْسَاخِ الَّتِي كَدَّرَتْ صَفْوَ الدِّينِ الْمَتِينِ(
). حَرَّرَهُ الْمُجِيبُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِـيٍّ الشَّوْكَانِيُّ فِي صُبْحِ يَوْمِ الْخَمِيسِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ 1206 هـ .
وَاللهُ أَعْلَمُ.
الحواشي والتعليقات
[1]
هَكَذَا فِي « الْمَوْرِدِ»، وَفِي جُزْءِ الشَّوْكَانِيِّ: (رُتْبَةْ).
[2]
هَكَذَا فِي « الْمَوْرِدِ»، وَفِي جُزْءِ الشَّوْكَانِيِّ: (سَادُوا).
[3]
قَالَ شَيْخُنَا وَمُجِيزُنَا: أَبُو مُصْعَبٍ، مُحَمَّدٌ صُبْحِي بْنُ حَسَنٍ حَلَّاقٍ الصَّنْعَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَدْ أَجَابَ اللَّهُ – سُبْحَانَهُ- دَعْوَةَ شَيْخِنَا الْإِمَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ فَإِنَّهَا هُدِمَتْ هَذِهِ الْقُبُورُ فِي أَيَّامِ الْخَلِيفَةِ الْمُتَوَكِّلِ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَثُمَّ خَارِجَ الْقُطْرِ التِّهَامِيِّ؛ فَأُزِيلَتْ بِالْكُلِّيَّةِ - عَلَى كَثْرَتِهَا- فِي عَصْرِ وَالِدِهِ الْمَنْصُورِ، عَلَى يَدِ أَهْلِ (نَجْدٍ)، وَالْمَرْجُوُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: التَّيْسِيرُ لِإِزَالَةِ كُلِّ مَا بَقِيَ مِنْ مُنْكَرٍ، وَكُلِّ مُعْتَقَدٍ؛ مِثْلَ: قَبْرِ ابْنِ عُلْوَانَ فِي (تَعِزَّ)، وَصَاحِبِ الْغِرَاسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.. إِنَّا نَسْأَلُهُ تَعَالَى مَعُونَتَهُ (آمِين).
[4]
مَصْدَرُ الجُزْءِ: « الْفَتْحُ الرَّبَّانِيُّ؛ مِنْ فَتَاوَى الْإِمَامِ الشَّوْكَانِيِّ» (1/1101)؛ لِأَبِي عَلِيٍّ، مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّوْكَانِيِّ الْيَمَنِيِّ (1172-1250 هـ).
📜 للاطلاع على صفحات الكتاب:
أسعد بإثبات حضوركم بجميل تعليقكم